عبد الرحمن بن ناصر السعدي
46
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
فهذا عام لكل مخلوق ، إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر ، وحقيقته فوات الخير ، الذي كان العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه . [ 28 ] ثم قال تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) ، هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار ، أي : كيف يحصل منكم الكفر باللّه ، الذي خلقكم من العدم ؛ وأنعم عليكم بأصناف النعم ، ثم يميتكم عند استكمال آجالكم ، ويجازيكم في القبور ، ثم يحييكم بعد البعث والنشور ، ثم إليه ترجعون ، فيجازيكم الجزاء الأوفى . فإذا كنتم في تصرفه وتدبيره وبرّه ، وتحت أوامره الدينية ، وبعد ذلك تحت دينه الجزائي ، أفيليق بكم أن تكفروا به ، وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه كبير ؟ بل الذي يليق بكم أن تتقوه ، وتشكروه ، وتؤمنوا به ، وتخافوا عذابه ، وترجوا ثوابه . [ 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ، أي : خلق لكم برا بكم ورحمة ، جميع ما على الأرض ، للانتفاع والاستمتاع ، والاعتبار . وفي هذه الآية الكريمة ، دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة ، لأنها سيقت في معرض الامتنان ، يخرج بذلك ، الخبائث فإن تحريمها أيضا ، يؤخذ من فحوى الآية ، وبيان المقصود منها ، وأنه خلقها لنفعنا ، فما فيه ضرر ، فهو خارج من ذلك . ومن تمام نعمته ، منعنا من الخبائث تنزيها لنا . وقوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . معاني كلمة « استوى » اسْتَوى : ترد في القرآن على ثلاثة معاني : فتارة لا تعدى بالحرف ، فيكون معناها : الكمال والتمام ، كما في قوله عن موسى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى ، وتارة تكون بمعنى « علا » و « ارتفع » وذلك إذا عديت ب « على » كقوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) ، لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ، وتارة تكون بمعنى « قصد » كما إذا عديت ب « إلى » كما في هذه الآية ، أي : لما خلق تعالى الأرض قصد إلى خلق السماوات فسواهن سبع سماوات ، فخلقها وأحكمها ، وأتقنها ، وهو بكل شيء عليم ، فيعلم ما يلج في الأرض ، وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء ، وما يعرج فيها ، و يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ * ، ويعلم السرّ وأخفى . وكثيرا ما يقرن بين خلقه ، وإثبات علمه كما في هذه الآية ، وكما في قوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) لأن خلقه للمخلوقات ، أدل دليل على علمه وحكمته وقدرته . [ 30 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، هذا شروع في ابتداء خلق آدم عليه السلام أبي البشر ، وفضله ، وأن اللّه تعالى - حين أراد خلقه - أخبر الملائكة بذلك ، وأن اللّه مستخلفه في الأرض ، فقالت الملائكة عليهم السلام : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ، وهذا تخصيص بعد تعميم ، لبيان شدة مفسدة القتل ، وهذا بحسب ظنهم أن المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك ، فنزهوا الباري عن ذلك ، وعظموه ، وأخبروا أنهم قائمون بعبادة اللّه على وجه خال من المفسدة ، فقالوا : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، أي : ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك ، وَنُقَدِّسُ لَكَ يحتمل أن معناها : ونقدسك ، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص ، ويحتمل أن يكون : ونقدس لك أنفسنا ، أي : نطهرها بالأخلاق الجميلة ، كمحبة اللّه وخشيته وتعظيمه ، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة . قال اللّه للملائكة : إِنِّي أَعْلَمُ من هذا الخليفة ما لا تَعْلَمُونَ ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم ، وأنا عالم بالظواهر والسرائر ، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر . فلو لم يكن في ذلك ، إلا أن اللّه تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصدّيقين ،